محمد بن جرير الطبري

583

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يمنعوك شيئا طلبت فيه الأمان على نفسك وأهلك ومالك . فقال له يزيد : اما قولك : ان بقاءك بقائى ، فلا أبقاني الله حسوة طائر مذعور ان كنت لا يبقينى الا بقاؤك ، واما قولك : ان هلاكك مطلوب به من جرته يده ، فوالله لو كان في يدي من أهل الشام عشره آلاف انسان ليس فيهم رجل الا أعظم منزله منك فيهم ، ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد ، لكان فراقي إياهم وخلافي عليهم أهول عندهم وأعظم في صدورهم من قتل أولئك ، ثم لو شئت ان تهدر لي دماؤهم ، وان احكم في بيوت أموالهم ، وان يجوزوا لي عظيما من سلطانهم ، على أن أضع الحرب فيما بيني وبينهم لفعلوا ، فلا يخفين عليك ان القوم ناسوك لو قد وقعت أخيارنا إليهم ، وان اعمالهم وكيدهم لا يكون الا لأنفسهم ، لا يذكرونك ولا يحلفون بك واما قولك : تدارك امرك واستقله وافعل وافعل ، فوالله ما استشرتك ، ولا أنت عندي بواد ولا نصيح ، فما كان ذلك منك الا عجزا وفضلا ، انطلقوا به ، فلما ذهبوا به ساعة قال : ردوه ، فلما رد قال : اما ان حبسى إياك ليس الا لحبسك بنى المهلب وتضييقك عليهم فيما كنا نسألك التسهيل فيه عليهم ، فلم تكن تالو ما عسرت وضيقت وخالفت ، فكأنه لهذا القول حين سمعه امن على نفسه ، وأخذ عدى يحدث به كل من دخل عليه . وكان رجل يقال له السميدع الكندي من بنى مالك بن ربيعه من ساكنى عمان يرى رأى الخوارج ، وكان خرج وأصحاب يزيد وأصحاب عدى مصطفون فاعتزل ومعه ناس من القراء ، فقال طائفه من أصحاب يزيد وطائفه من أصحاب عدى : قد رضينا بحكم السميدع ثم إن يزيد بعث إلى السميدع فدعاه إلى نفسه ، فأجابه ، فاستعملوا يزيد على الأبله ، فاقبل على الطيب والتخلق والنعيم ، فلما ظهر يزيد بن المهلب هرب رؤوس أهل البصرة من قيس وتميم ومالك بن المنذر ، فلحقوا بعبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة ، ولحق بعضهم بالشام ، فقال الفرزدق :